القاضي عبد الجبار الهمذاني
103
المغني في أبواب التوحيد والعدل
دليل يؤمنه من هذا التجويز ، سوى الخطاب المجرد ، أن يكون غير عالم بما أريد منه بذلك الخطاب ، لأنه مع تجويزه لما ذكرناه لا بدّ من أن يجوز ورود ما يقارن الخطاب ، فيعلم به أنه المراد بالخطاب ، أو أنه المراد على الدوام ، أو إلى وقت وغاية ، لأن من حق الخطاب أن يكون مرتبا على غيره ، إذا لم يكن يستقل بنفسه ؛ وقد علمنا أن هذا الخطاب فيما يقتضي علمه بأنه مراد في الأصل ، أو في سائر الأحوال ، لا يستقل بنفسه ، والتجويز فيه قائم . . يبين ذلك أنه كما لا بدّ من هذا التجويز ، من حيث يجوز عنده أن يخترم ، أو يحصل عاجزا ، أو يقع المنع في سائر الأوقات ، على ما ذكرناه ، فكذلك لا بدّ من أن يجوز في عقله أن الّذي أمر به يجوز أن يتغير حاله ، في كونه صلاحا ، فكما نعلم تعلق الأمر والخطاب بسلامته ، عن الأمور التي تزيل التكليف ، فكذلك لا بدّ من أن يتعلق بسلامة الفعل عن كونه فسادا ؛ وقد علم في الجملة من جهة العقل ، أن القادر المتمكن كما يجوز أن يتغير حاله إلى عجز ومنع ، وأن الخطاب لا يؤمنه مما جوزه في العقل ، لأنه مرتب عليه ، فكذلك يجوز أن يتغير حال الفعل الّذي كلفه على الدوام عن كونه صلاحا ، إلى كونه فسادا ، أو إلى أن يخرج من أن يكون صلاحا في المستقبل ، لأن الخطاب مرتب عليه ، ومن حق الخطاب إذا ترتب على غيره أن لا يجعل له حكم نفسه ، بل يجب أن يصرف إلى ذلك الوجه ، وإن تعلق به فإن كان ترتيبه عليه كافيا حمل على ذلك ، وإلا وجب طلب دليل آخر ؛ ومتى لم يقل القوم بهذه الطريقة لزمهم هذا الخطاب أن يقولوا : إن التكليف دائم ، وأن لا يجوز أن ينام الإنسان ، ويزول عقله ، ويعجز ، وتعرض فيه آفة ومنع « 1 » ، وهذا بهت ؛ وإذا كان الخطاب لم يؤمن ذلك علم كونه مرتبا عليه ، ومشروطا به ؛ وإذا صح ذلك
--> ( 1 ) في « ص » تمنع وصنع ومنع .